فصل: تفسير الآيات (1- 13):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة الرحمن:

عروس القرآن نزولها: مدينة عدد آياتها: ثمان وسبعون آية.
مناسبتها لما قبلها:
بين سورة الرحمن هذه، والسورة التي قبلها القمر أكثر من مناسبة:
فأولا: ختمت سورة القمر بهذه الآية: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}.
ومن صفات المليك المقتدر، الرحمة، لا الجبروت، شأن المالكين المقتدرين، وبهذه الرحمة التي وسعت كل شيء أرسل الرسل يدعون عباده إليه، ويطبّون للآفات والعلل التي أوردتهم موارد الضلال.. فاستجاب كثير منهم، ووجد السلامة والعافية في هذه الرحمة المرسلة من اللّه سبحانه على يد رسله.. فكان بدء سورة الرحمن بهذا الاسم الكريم موصولا بختام سورة القمر، جاعلا منهما سورة واحدة.
وثانيا: النظم الذي جاءت عليه سورة القمر، يشابه النظم الذي جاءت عليه سورة الرحمن، من حيث تكرار بعض المقاطع مرات متعددة.
فقد كرو في سورة القمر قوله تعالى: {فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ} أربع مرات، وكذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.
كرر أربع مرات أيضا.
وفى سورة الرحمن كرر قوله تعالى {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} إحدى وثلاثين مرة!
ففى هذه المتتاليات: {فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ} ثم {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ثم {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} في هذه المتتاليات، تدرّج من الإنذار والتخويف من عذاب اللّه، إلى عرض وسيلة النجاة من عذاب اللّه وتيسير الاتصال بها والوصول إليها، وهى القرآن الكريم. إلى مساءلة هؤلاء المدعوّين إلى كتاب اللّه، كيف يكذبون بآلاء اللّه ونعمه التي من أعظمها وأجلّها هذا الكتاب الذي يدعون إليه؟
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 13):

{الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (6) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (10) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (12) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)}.
التفسير:
قوله تعالى: {الرحمن}.
سورة الرحمن ونظمها:
فى سورة الرحمن ظاهرة ملفتة للأنظار، داعية إلى التساؤل عنها والبحث عما وراءها من أسرار.. تلك هي التكرار الملتزم في قوله تعالى:
{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} فقد تكررت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، خلال آيات السورة البالغ عددها ثمانيا وسبعين آية.
وقد كان هذا التكرار مدخلا من مداخل الطعن على القرآن، عند كثيرين من مرضى العقول والقلوب، من المستشرقين والمتتلمذين عليهم.. إذ عدوّا هذا التكرار مخلّا ببلاغة الكلام، جائرا على فصاحته، ثم يجاوزون هذا إلى القول بأن هذا التكرار الذي جاء خارجا على الأسلوب العام للقرآن، إنما يمثل حالا من أحوال الصّرع الذي كان يعرض للنبىّ! {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً}.
ولا نعرض لدحض هذه المفتريات، إذ كانت تحمل في كيانها أكثر من شاهد يشهد عليها بالكذب والافتراء.. وحسبنا أن نقف بين يدى هذا الإعجاز المبين من آيات اللّه.
فهذا المقطع الذي بدأت به السورة الكريمة، هو مقدمة موسيقية علوّية اللحن، قدسية النغم، لا تكاد تتحرك بها الشفاه، وتتصل بها الآذان، حتى يتفتق من أكمامها هذا الجلال المهيب، الذي يملأ القلوب مهابة وخشية، وحتى يشيع في النفوس روحا وانتشاء.. سواء في ذلك من وقف عند تناغم الألفاظ، وتجاوب جرسها، أم من جمع إلى هذا ما يفتح اللّه له من علم يرى في أضوائه جلال المعنى، وصدقه المصفّى من شوائب الباطل والضلال.
فالنظم الذي جاءت عليه هذه الآيات، مستغن بنفسه عن أن يحمل كلماته ما تحمل اللغة من دلالات ومفاهيم، متعارفة بين أهلها، وحسبه أن يفعل بنغمه الموسيقى، ما لا تفعل أروع ألحان الموسيقى من روح وانتشاء! فكيف إذا حمل هذا النغم مع ذلك أدق وأصدق وأحكم ما تحمل الكلمات من معنى؟.
انظر كيف يطلع هذا المطلع على تلك الصورة الرائعة الفريدة من النظم.
فأنت بين يدى خمس آيات تلاحمت، وتماسكت دون أن يقوم بينها حرف عطف:
{الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ}.
إن ما بينها من تجاوب وتآلف، يجعلها في غنى عن أن يقوم بينها عاطف يعطف بعضها على بعض، ويجمع بعضها إلى بعض..!
ثم انظر كيف كانت كلمة {الرحمن} التي بدئت بها السورة، هي الميزان الذي تجرى أحكامه على آيات السورة كلها، وتنضبط عليه أنغامها، وتتألف منه وحدة اللحن كله.. فيكون أشبه بالرتم الذي يمسك باللحن الموسيقى من مطلعه إلى نهايته!.
{الرحمن} إنه الذي يمسك بأجزاء السورة كلها، لفظا ومعنى.
فالرحمن، تتدفق من رحمته هذه النّعم، التي تعرضها السورة في كل آية من آياتها، وقد تصدر القرآن- ومعناه القراءة الواعية في صحف الوجود وفى كتب العلم وأجلها القرآن الكريم- تصدّر كلّ هذه النعم.
فإنه بغير هذه القراءة لا يهتدى الإنسان إلى اللّه سبحانه، ولا يتعرف على خالقه، ولا تقوم قدماه على طريق الحق والخير.. ثم يجيء الإنسان على رأس المخلوقات جميعها، إذ هو وحده الذي حمل الأمانة، أي العقل والتكليف، من بينها جميعا، فيكون هو التلقي لمجتمع كلمات اللّه، القارئ المستبصر، الذي يكشف بقراءته دلائل القدرة الإلهية.. فيؤمن باللّه، ويقوم على خلافته في الأرض، وبقيم موازين العدل فيها.
ثم انظر مرة أخرى إلى هذا التدبير الحكيم الذي تطلع به عليك هذه المقدمة من الفواصل المتتابعة، المتماثلة، مع فاصلة الآية المكررة.
الرحمن.. القرآن.. الإنسان.. البيان.. بحسبان.. يسجدان.
الميزان.. الميزان.. الميزان.. للأنام.. الأكمام.. الريحان.
فهذه اثنتا عشرة فاصلة، سبقت المقطع الذي سيتكرر في السورة في قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} فيكون أشبه بمقدمة لهذا التكرار، إذ يكون من شأنه أن يقيم الأذن على هذا النغم، ويربطها به، فإذا تكررت هذه الآية بعد ذلك، لم تجد الطريق إلى الأذن مسدودا عليها، أو مستوحشا منها، بل إن الأذن لتتفتح لها، وتدعوها إليها، وتجذبها نحوها.
وانظر مرة ثالثة.
فلقد سبق هذا التكرار المنتظر، تكرار آخر، يمهد له، ويهيئ السمع واللسان لاستقباله.
وذلك بأن تكررت كلمة {الميزان} ثلاث مرات في ثلاث فواصل متتابعة، دون أن يفصل بينها فاصل آخر.. ولا شك أن هذا تمهيد بليغ للتكرار الذي سيبدأ بعد هذه الفواصل مباشرة بقوله {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} والذي سيتكرر إحدى وثلاثين مرة.
ثم انظر مرة رابعة في هذا المطلع.. تجد السورة قد بدئت بآية، هي كلمة واحدة، ثم بثلاث آيات، كل آية فيها من كلمتين.
الرحمن.
علم القرآن.
خلق الإنسان.
علّمه البيان.
ثم تجيء بعد هذا آيتان من ثلاث كلمات:
الشمس والقمر بحسبان.
والنجم والشجر يسجدان.
ثم تتلوها آيتان من أربع كلمات:
والسماء رفعها ووضع الميزان.
ألّا تطغوا في الميزان.
تعقبها آية من ست كلمات:
وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان.
ثم تتلوها آية من ثلاث كلمات:
والأرض وضعها للأنام.
تجيء بعدها آية من خمس كلمات:
فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام.
ثم آية من أربع:
والحبّ ذو العصف والريحان.
ثم تجيء بعد هذا الآية:
فبأى آلاء ربكما تكذبان.
فتكون هي القرار الذي ينتهى إليه النغم، والذي يتردد بعد كل آية أو آيتين من السورة.
إن لعلماء الموسيقى مجالا فسيحا للدراسة والإفادة من هذا النظم، الذي تمثل كلّ آية منه جملة موسيقية، تختلف طولا وقصرا، وتأتلف مطلعا- قرارا.
أما عند الموسيقىّ، فإنه يجد نفسه، وهو يتلو هذه الآيات إنما يتلقى درسا علويا من ينابيع الموسيقى السماوية، فيستفتح اللحن بكلمة {الرحمن} فيعطيها كل ما يمتلئ به صدره من أنفاس الحياة.. ثم يعود فيوزع أنفاسه بين كلمتين، كلمتين، ثم بين ثلاث ثلاث، ثم بين أربع أربع، ثم بين ست كلمات، هي آخر ما يمكن أن يمتد إليه النفس غالبا. ثم يعود ليلتقط أنفاسه، فيوزّعها بين ثلاث كلمات.. ثم يأخذ نفسه مرة أخرى ليوزعه على خمس كلمات.
وهنا يكون النفس قد توازن، وانضبط على حدود معينة، بين ثلاث كلمات، وخمس كلمات، فتلقاه الآية التي ستكرر على امتداد السورة، {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
وهى من أربع كلمات، هي وسط بين الثلاث، والخمس!! هذا قليل من كثير لا نهاية له، مما يجده الناظر في نظم هذا المقطع، الذي بدئت به السورة، والذي جاءت عليه السورة كلها.
أما المعنى الذي وراء هذا النظم، فهو أروع وأعجب.. إنه جامعة معارف، وبحار لآلئ ودرر، لا تزال أبد الدهر تغرى الطالبين لها، الغواصين في بحارها، ليملئوا أيديهم منها، ويزينوا جيد الزمن بما ينظمون من جواهرها.. وها نحن أولاء نمدّ أبدينا إلى ما يفضل به اللّه تعالى علينا من فيض كرمه وإحسانه.
قوله تعالى: {الرَّحْمنُ} هو اللّه سبحانه وتعالى، المتجلّى بتلك الصفة من صفاته الكريمة، وهى الرحمة، التي هي اللطف الساري في هذا الوجود، والنور الهادي لكل موجود.
وقد سميت السورة سورة الرحمن.
فهى بهذا محلّى من مجالى رحمة اللّه، وكل آية من آياتها رحمة راحمة، ونعمة سابغة، حتى تلك الآيات التي تحمل العذاب إلى الكافرين والضالين.. فإنهم- مع هذا العذاب الذي هم فيه- واقعون تحت رحمة اللّه، ولولا هذه الرحمة لتضاعف لهم هذا العذاب أضعافا كثيرة، لا تنتهى.
وإن هذا العذاب الذي هم فيه، هو رحمة واسعة بالإضافة إلى ما في قدرة اللّه من عذاب، يتعذب به هذا العذاب نفسه!! وقوله تعالى: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ}.
هو أول تجليات رحمة الرحمن، وأعظمها شأنا، فيما يتصل بالإنسان.
ولهذا قدّم تعليم القرآن، أي القراءة، على خلق الإنسان ذاته، الذي هو موضع هذه الرحمة، ومتلّقى غيوثها.
فالقرآن- كما أشرنا من قبل- معناه هنا القراءة والدرس، والتعلم.. ومن أجل هذه القراءة، وهذا الدرس والتعلم خلق الإنسان، ليعرف اللّه، ويتعبد له، كما يقول سبحانه: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56: الذاريات).
فبهذه القراءة الواعية، يكون لقراءة القرآن ثمراتها، التي يحصل بها الخير كله، الذي ملاكه معرفة اللّه، والإيمان به، والولاء له.
وقد كان سياق المعنى، يقضى- في ظاهر الأمر- بأن يقدم خلق الإنسان على تعلمه القراءة، مطلقا، أو قراءة القرآن بصفة خاصة.. ولكن النظم القرآنى لا يوزن بميزان نظم البشر لكلامهم.. فهذا كلام اللّه.
وكلامه صفة من صفاته، والفرق بين كلام اللّه وكلام البشر كالفرق بين صفات اللّه، وصفات عباد اللّه.. ولا تصح المقايسة بحال أبدا بين الخالق، والمخلوق.
نقول- كان سياق النظم يقضى- في ظاهر الأمر- بأن يقدّم خلق الإنسان على تعلم القرآن، فيقال: الرحمن، خلق الإنسان، علم القرآن.
فماذا إذن وراء هذا النظم الذي جاء عليه القرآن؟
والجواب، أن وراء هذا النظم كثيرا من الأسرار، لا يحصيها العدّ، ولا يحيط بها العقل.
وإنما هي أسرار تتكشف حالا بعد حال، على مسرح العقول، وعلى امتداد الأزمان والآباد.
والذي يبدو لنا من هذا النظم- واللّه أعلم- أن القراءة، وهى- كما قلنا- قراءة عامة في صحف الوجود، وفى الكتب- هي التي تكشف للإنسان الطريق إلى اللّه، وتدله على اللّه سبحانه من كمال وجلال، ومن تفرد بالخلق والأمر.
والتعرف على اللّه، هو الغاية من خلق الإنسان على تلك الصورة الفريدة، التي امتاز بها عن عالم المخلوقات كلها، والتي استقل بها وحده بحمل الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، والتي بها أيضا استحق أن يكون أولى من الملائكة بخلافة اللّه على هذه الأرض.
فلمعرفة اللّه تلك المعرفة القائمة على وعى، وإدراك، وعلى حساب وتقدير- كان خلق الإنسان.
فمعرفة اللّه، هي العلة، وخلق الإنسان ليقوم بوظيفة هذه المعرفة هو معلول لهذه العلة، والعلة مقدمة على معلولها.. ولهذا قدم قوله تعالى: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} على قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسانَ} وقد {عَلَّمَهُ الْبَيانَ}.
أي خلقه ذا عقل وإدراك.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [56: الذاريات] أي ليعرفونى، ويعبدونى.. وما يشير إليه قوله سبحانه:
{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [31- 33: البقرة].. فاللّه سبحانه وتعالى، قد علم آدم: {خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ} أي خلقه قادرا على البيان والإفصاح عن حقائق الأشياء، والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلال.
ولم يعلّم سبحانه وتعالى الملائكة هذا العلم، ولم يخلقهم على طبيعة ترى هذا التزاوج في الموجودات، وإنما هم على طبيعة هي من عالم الحق، والخير، والنور، فلا ترى من الأشياء إلا ما هو حق، وخير، ونور.
وهنا يبدو لنا بعض السر في هذا الجمع بين الجن والإنس في قوله تعالى: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
فالجن في هذا المقام كالإنس، في أن كلا منهما على طبيعة يرى بها الأشياء في هذا الازدواج:
الخير والشر، والحق والباطل.. وكما جمعت هذه الطبيعة بين الجن والإنس في رؤية الأشياء على الازدواج- جمعت بينهما في الخطيئة، وفى عصيان أمر اللّه.. فعصى إبليس أمر ربه بالسجود لآدم، وعصى آدم ربه في الأكل من الشجرة التي نهاه اللّه عن الأكل منها.. فالشيطان عصى في أمر، وآدم عصى في نهى.. وعصيان الأمر- في ميزان التحدّى والمخالفة- أثقل وأشنع منه، في حال النهى.. إذ كان الأمر إيجابا، والنهى سلبا.
فالأمر فعل، والنهى ترك.. وإتيان المأمورات، مقدم على ترك المنهيات، ولهذا التزم القرآن تقديم الأمر على النهى في كل مقام اجتمعا فيه، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [110: آل عمران] وقال سبحانه: {يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [17: لقمان].
وذلك أن فعل الأمر، يحمل في طياته الانتهاء عن منكر يقع فيه من لا يمتثل الأمر.
ومخالفة الأمر يحمل مع تضييع الأمر، الوقوع في محذور النهى.
وليس الشأن كذلك في النهى، الذي يقف بصاحبه عند محذور النهى، إذا هو فعل المنهي عنه.
ومن هنا كان إتيان المأمورات مثابا عليه، بخلاف اجتناب المنهيّات، فإنه بحسب المرء باجتنابها أن يسلم من شرها، ويخرج معافى لا عليه، ولا له.
ومع هذا، فإن الشيطان خالف أمر ربه بامتناعه عن السجود لآدم.
وآدم عصى ربه كذلك بإتيان ما نهاه عنه، فأكل من الشجرة- ولهذا كان لكل منهما حسابه وعقابه.. وقد أظهر آدم الندم، وأقبل على ربه تائبا مستغفرا، فتقبّل اللّه سبحانه وتعالى توبته وغفر له.. وأما الشيطان فقد أحاطت به خطيئته، وأعمته عن طريق الرجوع إلى اللّه سبحانه، فمضى في غيّه وضلاله، تصحبه لعنة اللّه إلى يوم الدين.
وقد تحدّى إبليس- لعنه اللّه- ربه، ورأى في نفسه في انه خير من آدم، وأنه قادر على إفساده، وجعله وليّا له، محاربا للّه الذي كرمه وأمر الملائكة بالسجود له!! وكان من حلم اللّه، على هذا اللعين، أن أفسح له في مجال التحدي، وأن يجلب بخيله ورجله علىبنى آدم، وسيرى أنه مقهور مخذول، فإنه لن ينال من عباد اللّه مالا، وإنما هو دعوة يستجيب لها من أبناء آدم من سبقت عليه كلمة اللّه، فكان من أهل النار، كما يقول سبحانه: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ}.
وكما يقول سبحانه: {إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ} [6: فاطر].
ماذا هناك؟؟
ونحن بين يدى سورة الرحمن وفى أنس وروح من رحمة الرحمن، تهب علينا، وعلى غير انتظار، ريح سموم من رياح هذه الدنيا، تلفح وجوهنا، وتكوى مشاعرنا، وتثير بلبلة واضطرابا في خواطرنا.. حتى ليكاد ذلك يفسد علينا هذا الجو المعطر بأنفاس الرحمة، ويقطع عنا- في غفلة من إيماننا باللّه، وثقتنا في رحمته- هذا الأنس برحمة الرحمن.
ثم.. ثم ماذا؟؟
ثم نجد رحمة الرحمن الرحيم تحفّ بنا، وتعيدنا مرة أخرى إلى رحاب هذه السورة الكريمة- بعد أن انقطعنا عنها أياما، جريا وراء لقمة عيش نحصّلها من حديث في صحيفة، أو إذاعة- وإذا بنا نجد أنفسنا وقد أظلّتها السكينة، وعاد إليها الأمن والسلام.
أما هذه الريح السموم، فإننا ندعها لرحمة الرحمن، لتحيل نارها بردا وسلاما.. فذلك هو إيماننا باللّه، وثقتنا في رحمته.
ونعود إلى نظم الآيات مرة أخرى.
{الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
فماذا نرى في هذا النظم، من حيث المعنى، بعد أن كانت نظرتنا مقصورة على حدود النغم والجرس؟
هنا نجد- وهذا في حدود نظرنا المحدود القاصر- أن الآيات الكريمات يأخذ بعضها بأعناق بعض، في تعاطف، وتآلف، من غير أن يدخل بينها عاطف صناعى يشى بهذا السر الذي بينها، ويتسمع إلى هذه المناجاة الودود، بين الأحباء والأصفياء.
هذه واحدة!! ثم ماذا؟
{الرَّحْمنُ} ما شأنه؟ وما مظاهر رحمته؟.. ذاك سؤال! {عَلَّمَ الْقُرْآنَ}.
وهذا جواب.. يقوم من ورائه سؤال:
كيف علم القرآن؟
{خَلَقَ الْإِنْسانَ}.
وهذا جواب.. يثير سؤالا:
وماذا بين خلق الإنسان، وتعليم القرآن؟
{عَلَّمَهُ الْبَيانَ} وهذا هو الجواب.. فبالبيان الذي علمه اللّه الإنسان، تعلم القرآن.
ومن وراء هذا الجواب سؤال؟
وأي شيء يقرؤه هذا الإنسان الذي خلقه اللّه مستعدا للقراءة والبيان لما يقرأ؟.
{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ}.
{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ}.
{وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ}.
هذا هو جواب السؤال.. فتلك هي الصحف المنشورة، التي يقرأ فيها هذا الإنسان المهيأ للقراءة، المجهز بأدوات البيان والكشف، بما أودع فيه الخالق من عقل، وقلب، وسمع، وبصر، ولسان يصور به ما رأى ببصره، وما سمع بأذنه، وما وقر في قلبه، وما تشكل في عقله- يصور ذلك كله بكلمات واضحة مبينة، يهتدى بهديها، ويمشى في حياته على ضوئها..!
فالشمس والقمر.. يجريان بحساب مقدور.. كل في فلكه.
{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (40: يس) وهذا كتاب يضم من العلوم والمعارف ما لا يقع تحت حصر، ولا ينتهى عند حد، إذ كان موضوعه العالم العلوي وما فيه من أفلاك، وما يدور في هذه الأفلاك من نجوم وكواكب.
والشمس والقمر، هما أظهر ما في العالم العلوي المنظور لنا من نجوم وكواكب.. بحيث يقعان في نظر كل إنسان، ويدنوان من مفهوم كل ذى نظر، فلا يكاد يوجد إنسان على ظهر هذا الكوكب الأرضى إلا وعنده علم عن الشمس والقمر، على اختلاف في درجة هذا العلم، وعلى تفاوت بعيد بين القدر الذي يقع لكل إنسان منه، إذ بينما يكون هذا العلم عند بعض الناس مجرد نظر جامد بارد، ولا يحرك شعورا، ولا يثير إحساسا، إذ هو عند آخرين مثار خيال، ومبعث وجدان، ومنطلق إدراك، وجامعة علم وفن وفلسفة..!
فإذا نظر الإنسان إلى الشمس والقمر، نظرا قائما على الدرس والحساب، أسلمه هذا النظر إلى ما وراء الشمس والقمر، مما حواه العالم العلوي من أجرام ظاهرة يراها رأى العين، أو خفية يلتمس لها الوسائل التي يراها من خلالها.
وبهذا النظر المستند إلى الحسبان أو الحساب، عرف الإنسان كثيرا من أسرار هذا العالم، ورأى أن الشمس والقمر الذين يبدوان وكأنهما سيّدا الأجرام السماوية، ليسا إلا إشارتين باهتتين تطلّان من هذا العالم على الأرض، وأنهما بالنسبة لهذا العالم أشبه بحصاتين في سفح جبل الهملايا بالهند مثلا..!
فإذا بلغ الإنسان اليوم من العلم بحيث يضع قدميه على القمر، فليس ذلك إلا خطوة قصيرة من مسيرة طويلة العلم، في مسابح هذا العالم الذي لا حدود له.
وإذا قصر نظر الإنسان عن أن يرى ما وراء الشمس والقمر في العالم العلوي، فليقم نظره على ما بين يديه من العالم الأرضى.. حيث يجد وجه الأرض وقد نجمت فيه نجوم أشبه بنجوم السماء وكواكبها.
{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ}.
ففى الأرض نجم، وشجر.
والنجم، هو النبات الذي لا ساق له، مما يظهر على وجه الأرض، كالحشائش، ونحوها.
والشجر هو ما قام على سوق وما اتصل بهذه السوق من فروع، وأغصان وأوراق، وأزهار، وثمار.
والنجم من نبات الأرض، يمثّل الكواكب والنجوم المنثورة في السماء، والتي تبدو في مرأى العين صغيرة باهتة.
والشجر، يمثل الشمس والقمر في ظهورهما، وكبر حجمهما.
وإذا كان جريان الشمس والقمر بحسبان، فإن قيام النجم والشجر من النبات، بحسبان أيضا، إذ أن كلّا منهما في يدالقدرة الإلهية، قائم في محراب الولاء، والخضوع، والسجود، للّه رب العالمين.. وأنه كما في العالم العلوي مجال فسيح النظر والكشف عن علوم لا حدود لها، فكذلك في عالم النبات، نجمه، وشجره- علم لا ينتهى أبدا.. {وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ}.
ثم، إنه إذا كان في الناس من لا يرى هذا التفصيل في العالم العلوي أو الأرضى، فإنه لن يكون في الناس أبدا من لا يرى السماء جملة، أو الأرض جملة.
{وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ}.
فالسماء مرفوعة كالمظلة فوق الناس، بلا عمد تقوم عليها، وإنما يد القدرة هي التي تمسك بها، وتقيمها على ميزان دقيق لا ينحرف قيد أنملة: {وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ}.
أي أقامها، ووضع لها حسابا دقيقا، وميزانا مضبوطا تجرى عليه أمورها.
وقوله تعالى: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ}.
هو دعوة إلى أن يقيم الناس أمرهم في التعامل مع هذه العوالم على العدل والإحسان، فلا ينحرف بهم النظر عن مواقع الحق منها، فذلك ضلال وخسران للميزان الذي وضعه اللّه سبحانه وتعالى في أيديهم، وهو عقولهم التي من شأنها أن تضبط مسيرتهم في الحياة، كما تضبط السماء دعائمها بهذا الميزان الذي وضعه اللّه سبحانه وتعالى لها.
وفى قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ} إشارة إلى أن هذه الأرض، هي في خلافة الأنام، وهم الناس، وأن معهم الميزان الذي يضبطون به أمور الأرض، أشبه بذلك الميزان الذي وضعه اللّه سبحانه لضبط السماء وعوالمها.
وفى هذا تكريم للإنسان، ورفع لقدره، وإعطاؤه حكم هذه الأرض بالميزان الذي معه، وهو العقل.. وهو بهذا الميزان استحق أن يكون خليفة اللّه في الأرض.. فإذا لم يقم أمرها على ميزان الحق والعدل والإحسان، اضطرب أمره، وفسد حاله، وساء مصيره.
{فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ} أي أن هذه الأرض التي وضعها اللّه للأنام، وأقامها على هذا الوضع- قد هيأها اللّه سبحانه لتكون مأوى صالحا لحياة الإنسان، فأخرج منها فاكهة ونخلا ذات أكمام.
والأكمام: جمع كمّ، وهو الجراب الذي يضمّ طلع النخل، الذي يتكون منه الثمر.
{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ}.
معطوف على قوله تعالى: {فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ} أي وفيها الحبّ ذو العصف والريحان.
{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} هو الحبّ الذي يؤكل كالحنطة وغيرها.
والعصف، هو أوعية هذا الحب التي تنفصل عنه عند نضجه، فتكون حطاما وهشيما، كما في قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}.
أما الريحان، فهو ذلك النبت الطيب الريح.. وهو إشارة إلى كل نبت طيب ريحه.. وفى هذا إشارة إلى أن الإنسان ليس مجرد حيوان يطلب حاجة الجسد من طعام وشراب وحسب، وإنما هو كائن أسمى من عالم الحيوان، لا يقف عند مطالب الجسد، بل إن لروحه مطالب لا تقل عن مطالب الجسد، وحاجته إلى ما يقيم وجوده.
فالريح الطيب ينعش النفوس، ويغذّى الأرواح.
وفى التعبير القرآنى بكلمة: {والريحان} عن النبت الطيب الريح، إشارة إلى أن اتجاه هذا النبت إنما هو إلى الروح.. فالريحان والروح من مادة واحدة لفظا، ومعنى!! وبعد هذا العرض الكاشف لرحمة الرحمن، وقدرته، وقيومته على هذا الوجود، علوه، وسفله، وخلقه الإنسان، وقد علمه البيان، ووضع بين يديه الميزان الذي يزن به الأمور، ويفرق به بين خيرها وشرها- بعد هذا يجيء قوله تعالى مخاطبا الكائنين اللذين لهما وجود ظاهر على هذه الأرض، ولهما مجال فسيح فيها، وصراع محتدم بينهما على الخير والشر اللّذين في كيانهما.. فيقول سبحانه:
{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
فالخطاب هنا من الحق سبحانه وتعالى، إلى عالمى الجن والإنس، إذ هما- كما قلنا- الكائنان المكلّفان، بما لهما من عقل وإدراك. وهما اللذان يحاسبان، ويثابان، أو يعاقبان.
والآلاء: جمع إلى، على وزن معى، وألى على وزن على وهى النعم.
والاستفهام هنا تقريرى، إذ كانت نعم اللّه ظاهرة، تلبس كل ذرة في هذا الوجود.. حيث أن الوجود نفسه، هو نعمة بالنسبة العدم.
عن ابن عمر، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكنوا، فقال: «ما لى أراكم سكوتا؟ للجنّ أحسن جوابا لربها منكم».
قالوا: وما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: ما أتيت على قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} إلا قالت الجن: «ولا بشيء من نعم ربنا نكذب».
وعن جابر بن عبد اللّه، قال خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه، فقرأ سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجن، ليلة الجن، فكانوا أحسن ردودا منكم.. كنت كما أتيت على قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذب.. فلك الحمد».
وقد استدل بهذا الحديث على أن السورة مكية، لأن ليلة الجن التي يشير إليها النبي صلى اللّه عليه وسلم كانت قبل الهجرة، وذلك كان بوادي نخلة حيث بات النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهو في طريق عودته من الطائف إلى مكة، بعد أن عرض دعوته على ثقيف بالطائف، فردوه، ولم يقبلوا منه.